يرى الكاتب جنيد  أحمد أن طلب السعودية، بحسب تقارير، الحصول على معلومات استخباراتية إسرائيلية عبر القيادة المركزية الأمريكية لمواجهة جماعة أنصار الله في اليمن، يكشف تناقضًا عميقًا في نموذج القوة السعودي؛ فالمملكة التي أنفقت ثروات هائلة على السلاح وبنت منظومة أمنية تعتمد على الولايات المتحدة، تجد نفسها مضطرة إلى طلب مساعدة استخباراتية من إسرائيل لفهم تحركات الحوثيين وعملياتهم المحتملة.

 

ونشر ميدل إيست مونيتور هذا المقال، مشيرًا إلى أن نقاشات بوساطة القيادة المركزية الأمريكية تناولت معلومات استخباراتية يمكن أن تساعد الرياض في فهم انتشار الحوثيين وخططهم المستقبلية. ويطرح المقال قراءة نقدية لطبيعة النظام الأمني الإقليمي وعلاقات الاعتماد التي تشكلت حول السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل.

 

 

السعودية.. ثروة هائلة واعتماد أمني متجذر

 

أحيانًا يكشف اتصال هاتفي واحد منظومة سياسية بأكملها.

 

فالسعودية، التي تتولى رعاية الحرمين الشريفين وتقدم نفسها باعتبارها أحد أعمدة القيادة العربية، وتنفق على شراء بعض أغلى الأسلحة التي جرى تصنيعها، وجدت نفسها، بحسب التقارير، تسعى إلى الحصول على مساعدة استخباراتية إسرائيلية عبر القيادة المركزية الأمريكية في مواجهة أنصار الله في اليمن. وأفادت «جيروزاليم بوست» بأن المناقشات التي جرت بوساطة القيادة المركزية الأمريكية تناولت معلومات يمكن أن تساعد الرياض على فهم انتشار الحوثيين وعملياتهم المستقبلية.

 

وتبدو الصورة، بحسب الكاتب، كأنها مفارقة مكتملة الأركان.

 

فعلى مدار عقود، عملت الدولة السعودية على ترسيخ صورة السيادة، بالتزامن مع بناء واحدة من أكثر منظومات الاعتماد الاستراتيجي تعقيدًا في التاريخ الحديث. فقد وفرت واشنطن الهيكل الأمني، وتولى متعاقدون غربيون توفير الأسلحة، وحافظ فنيو الشركات الأجنبية على تشغيل المنظومة، بينما رسخت القواعد الأمريكية النظام الإقليمي، ومولت عائدات النفط هذا المشهد بأكمله.

 

اشترت الرياض تقريبًا كل ما يفترض أن تبدو عليه القوة.

 

لكنها، بحسب الكاتب، نسيت شراء القوة ذاتها.

 

وتصبح هذه الحقيقة أكثر صعوبة في إخفائها عندما تتمكن حركة يمنية تعرضت لسنوات من القصف السعودي والضربات الأمريكية والبريطانية والهجمات الإسرائيلية من فرض كلفة استراتيجية على مملكة تتجاوز نفقاتها العسكرية إنفاق الحركة بأضعاف هائلة. وبغض النظر عن الموقف من أيديولوجية أنصار الله أو أسلوب حكمهم الداخلي، فإن قدرتهم على الصمود حولتهم من حركة كانت الرياض تتصور يومًا أنها قادرة على إخضاعها بالقصف إلى قوة تستطيع التأثير في حسابات المملكة.

 

ويبدو التناقض حادًا: يمتلك طرف القصور وبطاريات «باتريوت» والمستشارين وعقود التسليح، بينما يمتلك الطرف الآخر الصواريخ والطائرات المسيّرة والجغرافيا والانضباط والاستعداد المثبت لتحمل الضربات.

 

وفقط أحد هذين النموذجين يمنح صاحبه تلقائيًا قدرًا من الاستقلال الاستراتيجي.

 

وازداد مأزق السعودية وضوحًا بعد أن ألحقت هجمات بالطائرات المسيّرة أضرارًا بخط أنابيب النفط شرق-غرب، ما أجبر المملكة على خفض الشحنات وتعليق عمليات التحميل في ينبع. وتحول الشريان الذي صُمم لحماية المملكة من مخاطر الخليج إلى مصدر آخر للخطر. وفي الوقت نفسه، سارع عملاء أوروبيون إلى البحث عن شحنات بديلة، بينما واجهت الرياض حقيقة أساسية مفادها أن البنية التحتية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات تظل عرضة للاستهداف.

 

 

محور المقاومة يكشف حدود القوة الخليجية

 

هنا، بحسب المقال، تصبح عبارة «الهلال الشيعي» المتداولة أكثر دلالة من الناحية التحليلية.

 

فقد قدمت واشنطن وتل أبيب وشركاؤهما الإقليميون، على مدى سنوات، شبكة حلفاء إيران باعتبارها ظاهرة شاذة ينبغي تفكيكها، بدءًا من حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة العراقية، وأنصار الله في اليمن، وصولًا إلى قوى أخرى تتمركز حول ما يسميه أنصارها «محور المقاومة». لكن قدرة هذه الشبكة على الصمود كشفت جانبًا تفضل منظومة الأمن الخليجية عدم مناقشته.

 

فقد بنت إيران نفوذها عبر علاقات قادرة على البقاء رغم العقوبات والضربات.

 

أما الملكيات الخليجية فبنت نفوذها عبر الفواتير.

 

ويشير الكاتب إلى أن أحد النموذجين أكثر فقرًا وخشونة، وكثيرًا ما يعتمد على الإكراه، بينما يمتلك الآخر صناديق ثروة سيادية وناطحات سحاب وفرقًا بارعة في التسويق. لكن عندما تقاس القوة الإقليمية بقدرة طرف ما على تغيير سلوك خصمه، وامتصاص الرد، ومواصلة العمل، فقد أثبت النموذج الذي يبدو بدائيًا، مرارًا، صعوبة أكبر في تحييده مقارنة بالنموذج اللامع.

 

وهنا تحديدًا تكتسب لجوء الرياض إلى الاستخبارات الإسرائيلية دلالتها السياسية.

 

فإسرائيل لا تدخل هذه المنظومة باعتبارها مستشارًا تقنيًا محايدًا، وإنما بوصفها قوة عسكرية ترتبط استراتيجيتها الإقليمية ارتباطًا وثيقًا بالهيمنة الأمريكية، فيما أثارت حملاتها العسكرية في المنطقة موجة غضب سياسية واسعة في العالمين العربي والإسلامي. ومع ذلك، تتزايد الروابط العملياتية بين أجزاء من المنظومة الأمنية العربية وإسرائيل.

 

واجتمع مؤخرًا قادة عسكريون من إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر في ألمانيا، برعاية القيادة المركزية الأمريكية، لبحث التعاون الأمني الإقليمي والصراع مع إيران.

 

وهكذا، بحسب الكاتب، لم تعد المسرحية القديمة بحاجة إلى كل تلك الديكورات.

 

فعلى مدار سنوات، أتقن حكام الخليج أداء مهمة إدانة إسرائيل خطابيًا، بالتوازي مع اندماجهم بصورة أعمق داخل المنظومة الأمنية الأمريكية التي تضمن التفوق العسكري الإسرائيلي. كانت فلسطين توفر الخطب، وواشنطن توفر هيكل القيادة، بينما توفر الترسانات الغربية المعدات.

 

أما الآن، فلم تعد حتى تلك المراسم ضرورية.

 

 

نظام أمني تابع.. والقصور تضطر لطلب المساعدة

 

يضع الكاتب المسؤولية الأعمق على النظام الإمبراطوري الذي أنتج حالة الاعتماد هذه. فلم تحتج القوة الأمريكية في غرب آسيا، في معظم الأحيان، إلى إقامة مستعمرات رسمية، طالما استطاعت الدول الحليفة والقواعد العسكرية والاعتماد على السلاح والضمانات الأمنية تحقيق الغرض الاستراتيجي ذاته بصورة أكثر سلاسة.

 

ويقول إن براعة الإمبراطورية الحديثة تكمن في السماح للطرف التابع بامتلاك علم ونشيد وطني وصندوق ثروة سيادي.

 

لكن ما لا يُسمح له بامتلاكه هو الاستقلال الاستراتيجي الحقيقي.

 

وتجسد المملكة السعودية هذا التناقض بصورة واضحة؛ فهي تمتلك ثروة تكاد تفوق التصور، لكنها تكتشف مرارًا أن الثروة لا تستطيع تصنيع الشرعية أو العمق الجغرافي أو التماسك السياسي أو الردع المستقل. ويمكن لحكامها شراء أسراب من الطائرات وكتائب من المستشارين، لكن أيًا منهما لا يستطيع حل المشكلة الأساسية: فالدولة التي تعتمد على قوة مهيمنة خارجية في أمنها تظل دولة معتمدة، مهما بلغت فخامة قصورها.

 

وفي المقابل، يظل محور المقاومة الذي أنفقت واشنطن وإسرائيل والرياض سنوات في محاولة عزله قائمًا، تحديدًا لأن التدمير لم يؤد مرارًا إلى إخضاع أطرافه.

 

ولا يعني ذلك، بحسب الكاتب، أن جميع الأطراف المنضوية تحت هذا المحور تتمتع بالفضيلة، لكنه يجعل الحقيقة الاستراتيجية الأساسية عصية على التجاهل.

 

لقد صمدوا.

 

وأصبح الصمود عملة لا يستطيع خصومهم طباعتها.

 

ولهذا يكتسب الطلب السعودي المبلغ عنه للحصول على معلومات استخباراتية إسرائيلية أهمية تتجاوز مجرد ترتيب عسكري في زمن الحرب. فهو يمثل، في نظر الكاتب، صورة بالأشعة السينية للنظام الإقليمي نفسه.

 

فالقصور تملك المال، وواشنطن تملك المنظومة، وإسرائيل تملك الاستخبارات.

 

أما الرجال الذين قضى خصومهم سنوات في التعامل معهم باعتبارهم مصدر إزعاج يمكن التضحية به، فقد امتلكوا بطريقة ما الشيء الوحيد الذي لا يستطيع أي عقد تسليح توفيره: القدرة على دفع القصر إلى طلب المساعدة.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260916-riyadh-phones-tel-aviv-from-petro-power-to-palace-panic/